انفاس الوداع

انفاس الوداع

تَبْكي المَحَابِرُ إِذْ تَسِيلُ شَجَانَا …

وَيَعُودُ صَوْتُ النَّايِ يَنْعَى مُنَانَا


يَا لَيْتَ عَهْدَ الصِّبَا يَرُدُّ لَهَافَةً …

 لِقُلُوبِ طَيْرٍ أَعْجَزَتْ طَيَرَانَا


مَالِي أَرَى الأَيَّامَ تَسْلِبُ مُهْجَتِي …

وَتَذُوبُ فِي كَفِّ الرَّجَاءِ بَقَانَا


أَصُوغُ مِنْ دَمْعِ الحَنِينِ مَوَاجِعاً …

وَأَقُولُ لِلأَحْزَانِ: كُونِي سَمَانَا

وَقَفَتْ وَأَنْفَاسُ الوَدَاعِ تَهَدَّجَتْ …

 وَتَسَاقَطَتْ حُمْرُ الدُّمُوعِ قَانَا


نَظَرَتْ بِمَكْسُورِ اللَّوَاخِظِ نَظْرَةً …

 مَاتَتْ بِهَا كُلُّ الحَيَاةِ أَمَانَا


وَأَنِينُ “نَوْفٍ” فِي الوَدَاعِ طَعَانَةٌ …

 نَفَذَتْ لِقَلْبِي فَاسْتَبَاحَ دِمَانَا


فِرَاقُ “نَوْفٍ” كَانَ نَصْلاً جَارِحاً …

مَزَّقَ أَوْرِدَةَ الحَيَاةِ ورِمَانَا


رَحَلَتْ وَأَبْقَتْ فِي الحَنَايَا جَمْرَةً …

تُذْكِي اللَّهِيبَ وَتُشْعِلُ الوِجْدَانَا


غَابَتْ عَنِ العَيْنِ الَّتِي بَكَتِ النَّوَى …

وَمَضَتْ، فَأَمْسَى كُلُّ شَيْءٍ كَانَا

 

خَانَتْ عُهُوداً بِالْوَفَاءِ قَطَعْتُهَا …

وَسَقَتْ فُؤَادِي الخِذْلَ بَعْدَ هَوَانَا


يَا لَوْعَةَ الفَقْدِ المُمِيتِ لِمُهْجَتِي …

كَيْفَ الحَبِيبَةُ أَنْكَرَتْ نَجْوَانَا؟


أَنَا مَنْ مَنَحْتُ الرُّوحَ طُهْرَ غَرَامِهَا …

فَرَمَتْ لِأَمْوَاجِ الجَفَاءِ شَذَانَا


كَمْ كَانَ يَكْفِينِي لَمَاحُ جُفُونِهَا …

حَتَّى رَأَيْتُ الخِذْلَ فِيهِ طَغَانَا


وَمَشَتْ، فَأَظْلَمَتِ المَنَازِلُ بَعْدَهَا …

وَغَدَتْ مَغَانِي الوَصْلِ لِي أَكْفَانَا


أَمْشِي بِأَزِقَّةِ الغَرَامِ كَأَنَّنِي …

شَبَحٌ يَطُوفُ وَيَنْدُبُ الخِلَّانَا


فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ لَنَا أُثْروُهُمَا …

ضَحِكَاتُ عِشْقٍ، هَمْسُ مَنْ أَحْوَانَا


صَارَتْ تِلْكَ الرُّبُوعُ مَقَابِراً …

تَبْكِي غِيَاباً قَدْ بَكَى مَعْنَانَا


كَمْ طَافَ فِي هَذَا المَكَانِ حَنِينُنَا …

وَاليَوْمَ نُورُ الدَّارِ قَدْ أَعْمَانَا


جَفَّ الرَّصِيفُ وَأَقْفَرَتْ شُرُفَاتُنَا …

وَبَقِيتُ وَحْدِي أَعْزِفُ الأَحْزَانَا


خُذْ مِنْ بَقَايَا الرُّوحِ آخِرَ نَبْضَةٍ …

 صَبَّتْ عَلَى صَدْرِ العَذَابِ جُفَانَا


وَاسْتَنْطِقِ الأَوْتَارَ فِي نَفَقِ الأَسَى …

عَسَى يُبِيحُ المَوْتُ مَا أَبْكَانَا


إِنِّي رَأَيْتُ العُمْرَ يَمْضِي رَاحِلاً …

نَحْوَ المَنَافِي، لَا يُرِيدُ لِقَانَا


فِي كُلِّ نَفْثَةِ زَفْرَةٍ لِيَ غُصَّةٌ …

تَبْنِي مِنَ الآهَاتِ لِي جُدْرَانَا


رَقَصَتْ مَآسِي الفَقْدِ حَوْلَ قَصَائِدِي …

فَغَدَا الرَّمَادُ لِلَوْعَتِي عُنْوَانَا


تَرَكَتْ لِيَ القِيثَارَ يَنْزِفُ حَسْرَةً …

وَغَدَتْ لِغَيْرِي فِي المَدَى رَيْحَانَا


يَا عَاذِلِي البَاكِي لِصَوْتِ تَوَجُّعِي …

دَعْنِي أَمُوتُ بِمَعْزَفِي سَلْوَانَا


فَإِذَا غَرِقْتُ بِأَدْمُعِي فَلَا تَسَلْ …

أَيْنَ الَّذِي رَفَعَ النَّشِيدَ مَكَانَا


فَاليَوْمَ أَبْكِي الحُبَّ فِي كَفَنِ النَّوَى …

وَأَعُودُ صِفْراً أَنْدُبُ الخِلَّانَا


أَنَا ذَلِكَ الصَّبُّ الَّذِي فِي دَمْعِهِ …

جَفَّ الرَّبِيعُ وَمَاتَتِ الأَلْحَانَا

 

خُتِمَ الكِتَابُ وَجَفَّ مَاءُ دُمُوعِنَا …

وَبَقِيَتُ رَسْماً زَادَهُ الأَسَى جَانَا

 

مَا جَدْوَى شَدْوِي وَالحَبِيبَةُ غَادَرَتْ …

وَمَضَتْ بِنَوْفٍ أَعْصُرُ الأَزْمَانَا


سَأَظَلُّ أَعْزِفُ لِلْفَرَاغِ نَشِيدَنَا …

 حَتَّى يُوَارِي التُّرْبُ مَا أَشْجَانَا


صَمْتِي هُوَ النَّجْوَى الأَخِيرَةُ بَعْدَهَا

فَالقَبْرُ أَرْحَمُ مِنْ حَيَاةِ جَفَانَا

الشاعر سلمان السعيّد (أبو ثامر)

عن salmansks

شاهد أيضاً

حـــــبـــل الـــوصـــل

قــــصــــيـدة: حـــــبـــل الـــوصـــل الــبــارحــه قــلــبي شــكــى الــمــقصود والــفــكر فـــي لــيــل الــعــنا صــالــي تــســهر عــيــوني والــخــلايق …