انفاس الوداع
salmansks
3 ساعات مضت
ديوان اهات واشواق والم
5 زيارة
انفاس الوداع
تَبْكي المَحَابِرُ إِذْ تَسِيلُ شَجَانَا …
وَيَعُودُ صَوْتُ النَّايِ يَنْعَى مُنَانَا
يَا لَيْتَ عَهْدَ الصِّبَا يَرُدُّ لَهَافَةً …
لِقُلُوبِ طَيْرٍ أَعْجَزَتْ طَيَرَانَا
مَالِي أَرَى الأَيَّامَ تَسْلِبُ مُهْجَتِي …
وَتَذُوبُ فِي كَفِّ الرَّجَاءِ بَقَانَا
أَصُوغُ مِنْ دَمْعِ الحَنِينِ مَوَاجِعاً …
وَأَقُولُ لِلأَحْزَانِ: كُونِي سَمَانَا
وَقَفَتْ وَأَنْفَاسُ الوَدَاعِ تَهَدَّجَتْ …
وَتَسَاقَطَتْ حُمْرُ الدُّمُوعِ قَانَا
نَظَرَتْ بِمَكْسُورِ اللَّوَاخِظِ نَظْرَةً …
مَاتَتْ بِهَا كُلُّ الحَيَاةِ أَمَانَا
وَأَنِينُ “نَوْفٍ” فِي الوَدَاعِ طَعَانَةٌ …
نَفَذَتْ لِقَلْبِي فَاسْتَبَاحَ دِمَانَا
فِرَاقُ “نَوْفٍ” كَانَ نَصْلاً جَارِحاً …
مَزَّقَ أَوْرِدَةَ الحَيَاةِ ورِمَانَا
رَحَلَتْ وَأَبْقَتْ فِي الحَنَايَا جَمْرَةً …
تُذْكِي اللَّهِيبَ وَتُشْعِلُ الوِجْدَانَا
غَابَتْ عَنِ العَيْنِ الَّتِي بَكَتِ النَّوَى …
وَمَضَتْ، فَأَمْسَى كُلُّ شَيْءٍ كَانَا
خَانَتْ عُهُوداً بِالْوَفَاءِ قَطَعْتُهَا …
وَسَقَتْ فُؤَادِي الخِذْلَ بَعْدَ هَوَانَا
يَا لَوْعَةَ الفَقْدِ المُمِيتِ لِمُهْجَتِي …
كَيْفَ الحَبِيبَةُ أَنْكَرَتْ نَجْوَانَا؟
أَنَا مَنْ مَنَحْتُ الرُّوحَ طُهْرَ غَرَامِهَا …
فَرَمَتْ لِأَمْوَاجِ الجَفَاءِ شَذَانَا
كَمْ كَانَ يَكْفِينِي لَمَاحُ جُفُونِهَا …
حَتَّى رَأَيْتُ الخِذْلَ فِيهِ طَغَانَا
وَمَشَتْ، فَأَظْلَمَتِ المَنَازِلُ بَعْدَهَا …
وَغَدَتْ مَغَانِي الوَصْلِ لِي أَكْفَانَا
أَمْشِي بِأَزِقَّةِ الغَرَامِ كَأَنَّنِي …
شَبَحٌ يَطُوفُ وَيَنْدُبُ الخِلَّانَا
فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ لَنَا أُثْروُهُمَا …
ضَحِكَاتُ عِشْقٍ، هَمْسُ مَنْ أَحْوَانَا
صَارَتْ تِلْكَ الرُّبُوعُ مَقَابِراً …
تَبْكِي غِيَاباً قَدْ بَكَى مَعْنَانَا
كَمْ طَافَ فِي هَذَا المَكَانِ حَنِينُنَا …
وَاليَوْمَ نُورُ الدَّارِ قَدْ أَعْمَانَا
جَفَّ الرَّصِيفُ وَأَقْفَرَتْ شُرُفَاتُنَا …
وَبَقِيتُ وَحْدِي أَعْزِفُ الأَحْزَانَا
خُذْ مِنْ بَقَايَا الرُّوحِ آخِرَ نَبْضَةٍ …
صَبَّتْ عَلَى صَدْرِ العَذَابِ جُفَانَا
وَاسْتَنْطِقِ الأَوْتَارَ فِي نَفَقِ الأَسَى …
عَسَى يُبِيحُ المَوْتُ مَا أَبْكَانَا
إِنِّي رَأَيْتُ العُمْرَ يَمْضِي رَاحِلاً …
نَحْوَ المَنَافِي، لَا يُرِيدُ لِقَانَا
فِي كُلِّ نَفْثَةِ زَفْرَةٍ لِيَ غُصَّةٌ …
تَبْنِي مِنَ الآهَاتِ لِي جُدْرَانَا
رَقَصَتْ مَآسِي الفَقْدِ حَوْلَ قَصَائِدِي …
فَغَدَا الرَّمَادُ لِلَوْعَتِي عُنْوَانَا
تَرَكَتْ لِيَ القِيثَارَ يَنْزِفُ حَسْرَةً …
وَغَدَتْ لِغَيْرِي فِي المَدَى رَيْحَانَا
يَا عَاذِلِي البَاكِي لِصَوْتِ تَوَجُّعِي …
دَعْنِي أَمُوتُ بِمَعْزَفِي سَلْوَانَا
فَإِذَا غَرِقْتُ بِأَدْمُعِي فَلَا تَسَلْ …
أَيْنَ الَّذِي رَفَعَ النَّشِيدَ مَكَانَا
فَاليَوْمَ أَبْكِي الحُبَّ فِي كَفَنِ النَّوَى …
وَأَعُودُ صِفْراً أَنْدُبُ الخِلَّانَا
أَنَا ذَلِكَ الصَّبُّ الَّذِي فِي دَمْعِهِ …
جَفَّ الرَّبِيعُ وَمَاتَتِ الأَلْحَانَا
خُتِمَ الكِتَابُ وَجَفَّ مَاءُ دُمُوعِنَا …
وَبَقِيَتُ رَسْماً زَادَهُ الأَسَى جَانَا
مَا جَدْوَى شَدْوِي وَالحَبِيبَةُ غَادَرَتْ …
وَمَضَتْ بِنَوْفٍ أَعْصُرُ الأَزْمَانَا
سَأَظَلُّ أَعْزِفُ لِلْفَرَاغِ نَشِيدَنَا …
حَتَّى يُوَارِي التُّرْبُ مَا أَشْجَانَا
صَمْتِي هُوَ النَّجْوَى الأَخِيرَةُ بَعْدَهَا
فَالقَبْرُ أَرْحَمُ مِنْ حَيَاةِ جَفَانَا
الشاعر سلمان السعيّد (أبو ثامر)